محمد بن جرير الطبري
87
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
موسى هو رب السماوات والأرض ومالكهن وما بينهما يقول : ومالك ما بين السماوات والأرض من شئ إن كنتم موقنين يقول : إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه ، فكذلك فأيقنوا أن ربنا هو رب السماوات والأرض وما بينهما . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قال لمن حوله ألا تستمعون ئ قال ربكم ورب آبائكم الأولين ئ قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ئ قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ئ قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) * . يعني تعالى ذكره بقوله قال لمن حوله ألا تستمعون قال فرعون لمن حوله من قومه : ألا تستمعون لما يقول موسى ، فأخبر موسى عليه السلام القوم بالجواب عن مسألة فرعون إياه وقيله له وما رب العالمين ليفهم بذلك قوم فرعون مقالته لفرعون ، وجوابه إياه عما سأله ، إذ قال لهم فرعون ألا تستمعون إلى قول موسى ، فقال لهم الذي دعوته إليه وإلى عبادته ربكم الذي خلقكم ورب آبائكم الأولين فقال فرعون لما قال لهم موسى ذلك ، وأخبرهم عما يدعو إليه فرعون وقومه : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون يقول : إن رسولكم هذا الذي يزعم أنه أرسل إليكم لمغلوب على عقله ، لأنه يقول قولا لا نعرفه ولا نفهمه ، وإنما قال ذلك ونسب موسى عدو الله إلى الجنة ، لأنه كان عنده وعند قومه أنه لا رب غيره يعبد ، وأن الذي يدعوه إليه موسى باطل ليست له حقيقة ، فقال موسى عند ذلك محتجا عليهم ، ومعرفهم ربهم بصفته وأدلته ، إذ كان عند قوم فرعون أن الذي يعرفونه ربا لهم في ذلك الوقت هو فرعون ، وأن الذي يعرفونه لآبائهم أربابا ملوك أخر ، كانوا قبل فرعون ، قد مضوا فلم يكن عندهم أن موسى أخبرهم بشئ له معنى يفهمونه ولا يعقلونه ، ولذلك قال لهم فرعون : إنه مجنون ، لان كلامه كان عندهم كلاما لا يعقلون معناه : الذي أدعوكم وفرعون إلى عبادته رب المشرق والمغرب وما بينهما - يعني ملك مشرق الشمس ومغربها ، وما بينهما من شئ لا إلى عبادة ملوك مصر الذين كانوا ملوكها قبل فرعون لآبائكم فمضوا ، ولا إلى عبادة فرعون الذي هو ملكها إن كنتم